حسن حنفي

457

من العقيدة إلى الثورة

الافعال ذاتها وادراك النتائج المترتبة عليها وأثرها في توجيه الواقع وإعادة بنائه . وقد كانت الأخرويات آخر مكتسبات الفكر الديني كما كان أولها التوحيد كما هو واضح في تطور الوحي وتاريخ النبوة « 120 » . وقد يصل الامر إلى حد جعل التقصير في المعرفة يستوجب العقوبة وكأن هناك تكليفا عقليا قبل التكليف الشرعي . وإذا كانت صورة العقوبة وشكلها بمعنى التخليد بالنار لا تعرف الا بالسمع الا أن الجزاء على الافعال يعرف بالعقل مثل وجوب الشكر . وقد يكون الجزاء في مرحلة ما قبل السمع نتائج الفعل في الطبيعة وأثره في العالم أي الجزاء الدنيوي قبل أن يضاف إليه الجزاء الأخروي . وإذا كان شكل المعارف النظرية بعد السمع هو معرفة الله ذاته وصفاته وأفعاله أو الشرائع العملية وطرقها مثل الصلاة والصوم والحج ، فان المعارف الخلقية والاجتماعية القائمة على المصلحة والمفسدة يمكن ادراكها بالعقل قبل السمع ، ما يجب وما لا يجب ، الحسن والقبح ، وهما أساس الشرائع البدائية . قد تختلف وتتطور طبقا لرقى الوعي الانساني حتى تتحد بالأحكام الشرعية وتصبح أساسا عقليا وطبيعيا للحلال والحرام ، للواجب والمحظور . ومهما تغيرت الاحكام والاشكال والتصورات والقوانين فستظل مقولتا الحسن والقبح قائمتين كمقولتين فطريقتين عقليتين طبيعيتين . وان أمكن عذر الانسان في عدم معرفة الله المعرفة النظرية المفطورة فإنه لا يعذر إذا ما جهل الله على الاطلاق في أشكاله البدائية الأولى . ان لم يكن العقل قادرا على ادراك المعارف النظرية أو التشريعات العملية فإنه قادر على

--> ( 120 ) النهاية ص 381 - 387 ، الدليل على أن القبح والحسن يدركان عقلا أن منكري الشرائع وجاحدى النبوات يعلمون قبح الظلم وحسن الشكر ولو كان الامر يتوقف على السمع في ذلك لما أحاط من أنكره بالحسن والقبح ، الارشاد ص 262 - 263 ، ذهبت المعتزلة إلى أن التحسين والتقبيح من مدارك العقول على الجملة ولا يتوقف ادراكهما على السمع ، وللحسن بكونه حسنا صفة وكذلك القول في القبيح عندهم ، الارشاد ص 258 ، الواجب في كل الديانات على المكلف أن يعرف بأدلته فإن كان من أهل الحمل نظر في جملة الأدلة وان كان من أهل العلماء نظر فيها وفي تفصيلاتها . . . النظر والمعارف ص 533 .